الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
343
نفحات الولاية
ليس كذلك على المدى البعيد ، وقد أثبت التأريخ كيفية تحطم الظلمة بنفس هذه القوانين الظالمة التي شرعوها وفرضوها على الناس بقوة الحديد والنار ؛ حتى خانهم أقرب مقربيهم وطعنوهم من خلفهم . قال الكلبي : ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره ؛ تقوى به على المسلمين فقبض ، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة ، فقبضت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين ، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وفي غير داره ، وأمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث أصيبت أو أصيب أصحابها . فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، وكان بأيلة من أرض الشام ، أتاها حيث وثب الناس على عثمان ، فنزلها فكتب إلى معاوية : ما كنت صانع فاصنع ، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها . هذا وقد اختلفت أقوال المفسرين وشرّاح نهج البلاغة بشأن مراده بقوله « من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » وأحد التفاسير هو ما ذكرناه سابقاً . التفسير الآخر هو أن بسط العدالة فيه رضى اللَّه وخلقه والانسجام مع نظام الوجود ، بينما يوجب الظلم غضب اللَّه وخلقه ويؤدي إلى ضيق الدنيا والآخرة . وتفسير آخر هو أنّ سلب الإنسان شيء بالعدل قد يشق عليه ، إلّاأنّ سلبه ظلماً سيكون عليه أشق وأصعب . وأخيراً أنّ الوالي إذا ضاقت عليه تدبيرات أموره في مظنة أن يمنع ويصد عن جوره . وإذا لم يطق الإنسان العدل والانصاف فأنّى له بتحمل الظلم والجور . ولا نرى من ضير في جمع كل هذه التفاسير كمراد لمفهوم تلك العبارة . تأمّلات 1 - معطيات العدالة في المجتمعات البشرية لقد ورد التأكيد كراراً في نهج البلاغة على مسألة العدل والانصاف ، بل المعروف أنّ الإمام علي عليه السلام من كبار باسطي العدل في المجتمع الإنساني ، حتى أسماه المفكر المسيحي المشهور جورج جرداق الإمام علي صوت العدالة الإنسانية . وقد تظافرت الروايات الإسلامية - وعلى غرار كلمات الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة - الواردة بهذا الشأن وبعبارات غاية في الروعة واللطافة ، منها ما ورد عن الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام أنّه قال : « العدل أحلى من